أما بعد أيها المؤمنون عباد الله : اتقوا الله جل وعلا ، وراقبوه سبحانه مراقبة من يعلم أن ربَّه يسمعُه ويراه . وتقوى الله جل وعلا : عملٌ بطاعة الله على نورٍ من الله رجاء ثواب الله ، وتركٌ لمعصية الله على نورٍ من الله خيفة عذاب الله .
أيها المؤمنون عباد الله : إن من القُرَب العظيمة والطاعات الجليلة التقربَ إلى الله عز وجل بذبح الضحايا وإراقة دماء بهيمة الأنعام طاعةً لله وطلباً لرضاه وتحقيقاً لتقواه ، والله جل وعلا يقول :
{ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ }[الحج:37] . وإقامة هذه الشعيرة علامةٌ من علامات تقوى القلوب لله عز وجل وذلك في حق المستطيع ، قال الله تبارك وتعالى :
{ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ }[الحج:32] . والأصل في مشروعيتها – أيها المؤمنون – كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين، قال الله تعالى : { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}[الكوثر:2] ، وقال الله جل وعلا :
{ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}[الأنعام:162-163] والنسك: الذبح ، وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال :
«ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا» ، وفي الترمذي وحسَّنه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال :
«أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ يُضَحِّي» ، وفي الترمذي عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال :
«كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ» ، والأحاديث في هذا الباب كثيرة عديدة .
والأضحية – أيها المؤمنون- سنة مؤكدة في قول جمهور أهل العلم ، ومن أهل العلم من أوجبها في حق المستطيع على ذلك ، وهي نسك عظيم وشعيرة جليلة من شعائر الإسلام تُقدَّم ويُتقرب إلى الله عز وجل بها في وقتها وهو يوم النحر بعد صلاة العيد وفي أيام التشريق الثلاثة إلى غروب الشمس من اليوم الثالث ؛ وهذا وقتها -عباد الله- فمن ذبحها قبل الوقت أو ذبحها بعد الوقت فإنها تكون شاةً له ولأهله ولا تكون ضحية مقبولة ، ففي الصحيحين عن البراء ابن عازب رضي الله عنه قال : «ضَحَّى خَالٌ لِي يُقَالُ لَهُ أَبُو بُرْدَةَ قَبْلَ الصَّلاَةِ» ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ )) ، ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاَةِ فَإِنَّمَا يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلاَةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ المُسْلِمِينَ» . وتأمَّل – رعاك الله- في تسمية النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث للأضحية بأنها نسك وأنها سنة المسلمين ؛ فينبغي على المسلم القادر المستطيع أن يحرص على هذا النسك العظيم وعلى هذه السنة المباركة من سنن المسلمين بوصف النبي صلى الله عليه وسلم لها بذلك .
أيها المؤمنون عباد الله : والأضحية لا تكون إلا من بهيمة الأنعام ، قال الله جل وعلا :
{ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } [الحج:34] ، وبهيمة الأنعام هي : الإبل والبقر والغنم معزها وضأنها ، والأفضل أن تكون بدنة ويليها البقر ثم الغنم ، ويصح – عباد الله- أن يشترك سبعةٌ في بدنة أضحية لكل واحد منهم ، عن كل واحد منهم وعن أهل بيته ، وكذلك اشتراك سبعة في بقرة .
عباد الله : وينبغي للمضحي أن يتخيَّر أضحيته وأن يحرص على طِيبها وحُسنها وسِمَنها وإن تمكن أيضاً مع قدرة مالية من غلاء ثمنها ، وأن يتقرب إلى الله بها طيِّبةً بها نفسه منشرحاً صدره طالباً ثواب ربه جل وعلا ؛ فإنها قربة من عظيم القرب ، ويكفي – عباد الله- ما تقدم من قرنها في موضعين من كتاب الله بالصلاة ، ولهذا قال العلماء إنها أجلُّ العبادات المالية كما أن الصلاة أجلُّ العبادات البدنية .
عباد الله : وينبغي للمضحي أن يحترز من المعيبة التي فيها عيب لا تجزئ به الأضحية وهو ما بيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح وثبت عنه في السنن من حديث البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
(( لَا يَجُوزُ مِنَ الضَّحَايَا : الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا ، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي )) ، وليست العيوب – عباد الله – محصورة في هذه الأربع بل ما كان مثلها أو أشد منها فإنه عيبٌ يمنع في الإجزاء للأضحية .
سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر |
أيها المؤمنون عباد الله : إنها فرصة ثمينة للتقرب إلى الله عز وجل بهذه القربة العظيمة والطاعة الجليلة ؛ يضحي بها الرجل عنه وعن أهل بيته متقرباً إلى الله طالباً رضاه قائماً بهذا النسك العظيم محققاً هذه الشعيرة الجليلة والسنة العظيمة من سنن المسلمين .
اللهم وفِّقنا أجمعين لما تحبه ورضاه من سديد الأقوال وصالح الأعمال . أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .
فضيلة الشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن البدر حفظه الله
الخطبة الأولى
الحمد لله عظيم الإحسان ، واسع الفضل والجود والامتنان ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله ؛ صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد أيها المؤمنون عباد الله : اتقوا الله تعالى .
أيها المؤمنون عباد الله : إنَّ من نعمة الله العظيمة على أهل البلدان في بلدانهم أن يسَّر لهم جل في علاه أن يشاركوا حجاج بيت الله في شعيرة عظيمة وطاعة جليلة تكون في يوم النحر وفي أيام التشريق الثلاثة ؛ فإن الحجاج -أيها المؤمنون- يتقربون إلى الله في تلك الأيام بنحر الهدايا ، والمسلمون في البلدان يتقربون إلى الله جل وعلا بذبح الضحايا .
أيها المؤمنون عباد الله : ولهذه المشاركة العظيمة جاء في الحديث وهو في صحيح مسلم من حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا )) ، وفي رواية لمسلم (( فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ )) ؛ وهذه – عباد الله- أيضا مشاركة من أهل البلدان لحجاج بيت الله الحرام ؛ فالحاج عندما يُهِلُّ بالنسك يكون عليه من محظورات الإحرام أن يأخذ من شعره وبشره شيئا ، وهكذا المضحي أي من أراد أن يضحي ، ولا يشمل الحكم أهله وولده وإنما يخص من أراد أن يضحي بأن لا يأخذ من شعره وبشَره شيئا . وهذا الحكم عباد الله للتحريم ، وقد جُمع في هذا الحديث في روايتيه بين النهي والأمر ، والأصل في الأمر الوجوب ، والأصل في النهي التحريم ؛ ولهذا – عباد الله- ليتنبه كل من أراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره وأظفاره شيئاً حتى يذبح أضحيته .
عباد الله : والأوْلى بالمضحِّي أن يبادر بذبحها في يوم عيد الأضحى المبارك في ضحى ذلك اليوم مسارعاً إلى الخيرات مسابقاً لأداء هذا النسك العظيم ، ولا ضير عليه إن أخَّر ذلك فأدَّاها في أيام التشريق الثلاثة ، وأما إذا غربت الشمس من اليوم الثالث من أيام التشريق فإنه قد انتهى وقتها ، ومن ذبحها بعد ذلك فإنما هي شاة لحم.
ونسأل الله عز وجل أن يوفقنا أجمعين لطاعته جل في علاه ، وأن يعيننا أجمعين على ذكره وشكره وحُسن عبادته ، ولاسيما – عباد الله – وأننا نعيش هذه الأيام أياماً فاضلة هي خير الأيام وأعظمها على الإطلاق وفيها يقول نبينا عليه الصلاة والسلام :
((مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ)) فَقَالُوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟» فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ)) .
فلنري ربنا جل وعلا من أنفسنا خيراً في هذه الأيام الفاضلة والأوقات الثمينة النفيسة . اللهم وفِّقنا يا ربنا لاغتنام هذه الأوقات المباركة ولاغتنام حياتنا كلها فيما يرضيك عنا يا ذا الجلال والإكرام .